المنجي بوسنينة

49

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

جانب اهتماماتهم العلميّة والدينيّة . ولهذا فإن حياة الرجل انقسمت إلى طورين بارزين : الطور العلمي وامتاز فيه بالانكباب على تحصيل العلم والتنقّل لجمعه والجلوس للتدريس والتربية والتأليف . وقد تناول أهمّ مراحل هذا الطور سابقا . الطور السياسي وفيه أصبح اهتمام ابن حمدي يتّجه أكثر إلى الشؤون العامّة وقضايا السياسة ، فقد شغله في آخر أيامه الإشراف على مصالح العامّة جراء « فساد الحال » ، والحاجة إلى القيام بما يوجب استتباب الأمن والسلام . فعلى الصعيد الاجتماعي كانت محظرة بابا وحاضرته بمثابة مؤسسة خيرية تنفق على الفقراء والمحتاجين وتكرم الضيوف وتعالج المرضى . وبإيجاز فإن المرابط بابا كان - كما يقول كاتب سيرته نقلا عن العلامة محمذن فال بن متالي - « فيه كثير من منافع المسلمين يعلّم جاهلهم ويكسو عاريهم » [ الكمليلي ، المواهب العندية ، ص 6 ] . وبحكم رتبة ابن حمدي العلمية والدينية ومكانته الاجتماعية وما يتوفّر عليه من موارد اقتصادية ورثها عن الأسرة وتمكّن من تنميتها ، بحكم كل ذلك كانت للرجل أدواره السياسية سواء على الصعيد المحلّي ( القبيلة ) أو الجهوي ( الإمارات ) أو في خارج البلاد على صعيد علاقته مع الفرنسيين في سين - لوي ، وإمارة كايور السنغالية . وهكذا اعتبر الإداري الفرنسي بول مارتي ( Paul Marty ) ابن حمدي « أهمّ شخصيّة في قبيلة إدولحاج خلال القرن التاسع عشر » [ بول مارتي ، إمارة الترارزة ، 1919 ، ص 265 ] . وتحكي بعض الروايات الشفهيّة المتداولة أن أحد الأمراء قد قال يوما : « الأمير ليس أنا ، بل هو بابا بن محمذن بن حمدي » . وبلغ نفوذ ابن حمدي أن أصدر حكما في الحدود قضى فيه بالقتل قصاصا . وقد نفذ هذا الحكم بالصورة التي رسمها بابا دون أن يثير أي اعتراض لا من الوسط الأسري والقبلي للجاني ، ولا من الجهة الأميرية الحاكمة وهي صاحبة السلطة التنفيذية [ ابن حامد ، مدخل لدراسة البعد الثقافي ، ص 64 ] . وبما أن بابا بن حمدي كان من الاتجاه الصوفي المتعامل مع السلطة فقد دخل في سلسلة من العلاقات مع زعماء إمارة الترارزة التي يتبع لها نظريا المجال الجغرافي الذي يقطن فيه الرجل . وبفضل ما يتمتّع به من مرونة سياسية أصبح ابن حمدي وهو بمثابة المستشار الديني لبعض هؤلاء الأمراء ، مشاركا في السياسة العامّة للإمارة وله نصيب من اتّخاذ القرار . يقول ابن اسمه ( ت 1390 ه / 1971 م ) : « إنه بلغ من المكانة عند أمراء أرضنا هذه ما لم نسمع أحدا قط بلغه عند أمير » [ ذات ألواح ودسر ، ص 73 ] . فقد كان الناس يلجؤون إليه إبان الحروب والنزاعات لتأمينهم . وفي هذا السياق يقول كاتب سيرته : « إنه تصرّف في أمور البلاد ظاهرا وباطنا فولى وعزل ونصر وخذل . . . » [ الكمليلي ، المواهب العندية ، ص 5 ] . ويدعم ابن اسمه هذا الرأي قائلا : « إنه هو الذي عزل الأمير أعمر سالم ( 1311 ه / 1893 م ) واستخلف